السيد أحمد الهاشمي

179

جواهر البلاغة

وينقسم الإيجاز إلى قسمين ، إيجاز قصر « 1 » ، وإيجاز حذف . فإيجاز القصر ويسمى إيجاز البلاغة يكون بتضمين المعاني الكثيرة في ألفاظ قليلة من غير حذف ، كقوله تعالى : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [ البقرة : 179 ] . فإن معناه كثير ، ولفظه يسير ، إذ المراد : أن الإنسان إذا علم أنه متى قتل قتل : امتنع عن القتل ، وفي ذلك حياته وحياة غيره ، لأن القتل أنفى للقتل « 2 » وبذلك تطول الأعمار ، وتكثر الذرية ويقبل كل واحد

--> ( 1 ) . وإيجاز القصر . هو ما زيد فيه المعاني على الألفاظ ولا يقدر فيه محذوف ويسمى [ إيجاز البلاغة ] لأن الأقدار تتفاوت فيه . وللقرآن الكريم فيه المنزلة الّتي لا تسامى ، والغاية الّتي لا تدرك . فمن ذلك قوله تعالى : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ فهذه الآية قد جمعت مكارم الأخلاق ، وانطوى تحتها كل دقيق وجليل ، إذ في العفو الصفح عمن أساء . وفي الأمر بالمعروف صلة الأرحام . ومنع اللسان عن الكذب وغض الطرف عن كل المحارم ، وقوله عزّ اسمه وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ استوعبت تلك الآية الكريمة أنواع المتاجر . وصنوف المرافق الّتي لا يبلغها العد ، وقوله : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ هاتان كلمتان أحاطتا بجميع الأشياء على غاية الاستقصاء ، وقوله صلّى اللّه عليه وآله : « المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء . وعودوا كل جسم ما اعتاد » فقد تضمن ذلك من المعاني الطبية شيئا كثيرا . وقول الإمام أمير المؤمنين علي عليه السّلام : « من استقبل وجوه الآراء عرف وجوه الخطأ » . وقول بعض الأعراب : اللهم هب لي حقك وأرض عني خلقك . فسمعه الإمام عليه السّلام وجهه فقال : هذا هو البلاغة . ومنه قول السموأال : [ الطويل ] وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها * فليس إلى حسن الثناء سبيل فقد اشتمل على حميد الصفات من سماحة وشجاعة وتواضع وحلم وصبر واحتمال مكاره في سبيل طلب الحمد ، إذ كل هذه مما تضيم النفس لما يحصل في تحملها من المشقة والعناء . والسبب فيما له من الحسن والروعة دلالة قليل الألفاظ على كثير المعاني إلى ما فيه من الدلالة على التمكن في الفصاحة والبراعة . ولذا قال محمد الأمين : « عليكم بالإيجاز ، فإن له إفهاما . وللإطالة استبهاما » وقال آخر : « القليل الكافي خير من كثير غير شاف » . ( 2 ) . لقد أثر ونقل عن العرب قولهم : « القتل أنفى للقتل » وأين هذا المثل من بلاغة هذه الآية الشريفة الّتي بلغت